العيني
183
عمدة القاري
بكر ، رضي الله عنه ، في شأن قتال مانعي الزكاة ، وفيه فقال عمر ، رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابهم على الله ) فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فانتقال أبي بكر ، رضي الله عنه ، إلى القياس ، واعتراض عمر ، رضي الله عنه ، عليه أولى دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما من الصحابة رضي الله عنهم ، حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، المذكور كما خفي عليهم حديث جزية المجوس ، وشأن الطاعون ، لأنه لو استحضروه لم ينتقل أبو بكر ، رضي الله عنه إلى القياس ، ولم ينكر عمر ، رضي الله عنه ، على أبي بكر ، رضي الله عنه ، قلت : ومن هذا قال بعضهم : في صحة حديث ابن عمر المذكور نظر ، لأنه لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر ، رضي الله عنه ، في قتال مانعي الزكاة ، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله ، عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) ، ولما انتقل من الاستدلال بهذا النص إلى القياس ، إذ قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة لأنها قرينتها في كتاب الله ، عز وجل . وأجيب عن ذلك : بأنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أن يكون استحضره في تلك الحالة ، ولو كان مستحضرا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة ولا يمتنع أن يكون ذكره لما بعد ، وقالوا : لم يستدل أبو بكر ، رضي الله عنه ، في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط ، بل استدل أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكره : ( إلاَّ بحق الإسلام ) قال أبو بكر ، رضي الله عنه : والزكاة حق الإسلام . وقالوا أيضا : لم ينفرد ابن عمر ، رضي الله عنه ، بالحديث المذكور ، بل رواه أبو هريرة ، رضي الله عنه ، بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . قلت : في القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ، رضي الله عنهم ، ويطلع عليها آحادهم . الحادي عشر : فيه أن من أتى بالشهادتين ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وإن كان لا يؤاخذ لكونه معصوما ، لكنه يؤاخذ بحق من حقوق الإسلام من نحو قصاص أو حدٍ أو غرامة متلف ونحو ذلك ، وقال الكرماني : إلاّ بحق الإسلام من : قتل النفس وترك الصلاة ومنع الزكاة . قلت : قوله : من قتل النفس ، لا خلاف فيه أن عصمة دمه تزول عند قتل النفس المحرمة . وأما قوله : وترك الصلاة ، فهو بناء على مذهبه ، وأما قوله : ومنع الزكاة ، ليس كذلك ، فإن مذهب الشافعي : أن مانع الزكاة لا يقتل ، ولكنه يؤخذ منه قهرا ، وأما إذا انتصب للقتال فإنه يقاتل بلا خلاف ، وقد بيناه عن قريب . الثاني عشر : فيه وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهلها . الأسئلة والأجوبة منها ما قيل : إذا شهد وأقام وأدى فمقتضى الحديث أن يترك القتال ، وإن كفر بسائر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه ليس كذلك . وأجيب : بأن الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به ، مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلاَّ بعد صدور هذا الحديث ، أو علم ذلك بدليل آخر خارجي ، كما جاء في الرواية الأخرى ( ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ومنها ما قيل : لِمَ نص على الصلاة والزكاة مع أن حكم سائر الفرائض كحكمهما ؟ وأجيب : لكونهما أما العبادات البدنية والمالية والعيار على غيرهما والعنوان له ، ولذلك سمى الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام . ومنها ما قيل : إذا شهدوا عصموا وإن لم يقيموا ولم يؤتوا ، إذ بعد الشهادة لا بد من الانكفاف عن القتال في الحال ، ولا تنتظر الإقامة والإيتاء ولا غيرهما وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله : ( إلا بحق الإسلام ) ، فإن الإقامة والإيتاء منه . وأجيب : بأنه إنما ذكرهما تعظميا لهما واهتماما بشأنهما وإشعارا بأنهما في حكم الشهادة ، أو المراد ترك القتال مطلقا مستمرا ، لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة والزكاة ، وذلك لا يحصل إلاَّ بالشهادة وإيتاء الواجبات كلها . 18 ( ( بابُ مَنْ قَالَ : إنّ الإيمَانَ هُوَ العَمَلُ لقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى * ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * ) ) الكلام فيه على أنواع الأول : إن لفظ باب مضاف إلى ما بعده ولا يجوز غيره قطعا ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ